بقوانين وتعهدات رسمية.. جهود مغربية متواصلة لتعزيز حقوق الإنسان في 2023

بقوانين وتعهدات رسمية.. جهود مغربية متواصلة لتعزيز حقوق الإنسان في 2023
شارع محمد الخامس وسط العاصمة المغربية الرباط (أ ف ب).

- توسيع الاستفادة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ودعم المعوزين وتعديل مدونة الأسرة

- مصادقة المغرب على بروتوكولين مهمين وتبوؤه مواقع حقوقية دولية

- أستاذ قانون دولي بجامعة محمد الأول بوجدة: لا يمكن إنكار المسارات المتصاعدة في مجال حقوق الإنسان بالمغرب

- رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان: الجهات المسؤولة تقوم بمجهودات كبيرة لإرساء المفاهيم الحقوقية

- أستاذ علم السياسة بكلية الحقوق السويسي بالرباط: الخطاب الرسمي يؤكد التزامات المغرب بحقوق الإنسان والنهوض بها

المغرب- سامي جولال

عاشت المملكة المغربية عاماً مليئاً بالأحداث والتطورات المرتبطة بالحقوق والحريات، إذ شهد عام 2023 استمرار تأكيد الخطاب السياسي الرسمي على التزامات المغرب بحقوق الإنسان، والنهوض بها وحمايتها، واتخاذ الحكومة المغربية، استناداً إلى خطب ومبادرات ملكية، عدداً من الإجراءات والتدابير، وإصدارها قوانين تهم توسيع دائرة الاستفادة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومنح دعم مالي مباشر للفئات المعوزة، إلى جانب فتح ورش تعديل مدونة الأسرة، ودعم ضحايا زلزال الحوز، وغيرها من الأمور الأخرى على المستوى الداخلي.

أمميّاً، فقد صادق المغرب على بروتوكولين مهمين ملحقين بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يخولان للمواطنين امتيازات جديدة في مجال الحقوق والحريات، كما تبوأ المغرب مواقع حقوقية دولية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وفي المقابل، لا يزال مجال حقوق الإنسان والحريات في المغرب يعرف -بحسب عدد من الخبراء المغاربة في مجالات حقوق الإنسان والسياسة والقانون تحدثت إليهم “جسور بوست”- مشكلات واختلالات في مجموعة من المجالات، لكنها، بحسب بعضهم، لا تعني أن هناك سياسة ممنهجة للدولة لاستهداف حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، موضحين أن مجموعة من الخروقات، التي تحدث في هذا المجال، لا يكون مصدرها الدولة بعينها، وإنما هي تصرفات معزولة، وأن تلك الممارسات تبقى في مستويات دنيا، وليست مؤثرة بشكل كبير جدّاً على الوضع العام الذي يتسم باستمرار اعتماد المغرب على نهج الحفاظ على حقوق الإنسان.

خطاب رسمي ملتزم بحقوق الإنسان

المحلل السياسي وأستاذ علم السياسة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، أحمد بوز، يرى أنه إذا تأملنا سنة 2023 حقوقيّاً، فيمكن أن نقف عند 5 مظاهر للتقدم المسجل في مجال تعاطي السلطات العامة في المغرب مع الحقوق والحريات، أولها استمرار الخطاب السياسي الرسمي في التأكيد على التزامات المغرب بحقوق الإنسان، وبكونيتها، والنهوض بها وحمايتها، ضارباً المثل بآخر رسالة ملكية وجهها الملك محمد السادس للمشاركين في المناظرة الدولية، التي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة تعنى بحقوق الإنسان والحريات)، يوم 7 ديسمبر الجاري، بمناسبة مرور 75 سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أحمد بوز

ووجه الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين في المناظرة الدولية حول "30 التزاماً كونيّاً من أجل الكرامة الإنسانية: كونية حقوق الإنسان.. فعلية تحققت أم مسار غير مكتمل؟"، التي انعقدت في 7 ديسمبر 2023 بالرباط، احتفاءً بالذكرى الـ75 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتلت الرسالة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش.

المصادقة على بروتوكولين مهمين

يتعلق المظهر الثاني للتقدم المسجل في مجال تعاطي السلطات العامة في المغرب مع الحقوق والحريات، بحسب تصريحات بوز لـ"جسور بوست"، بالمصادقة على بعض المعاهدات، إذ أوضح أنه معروف أن المغرب صادق سابقاً على ما يعرف بالمعاهدات الأساسية التسع أو العشر لحقوق الإنسان، لكن سنة 2023 شهدت معطىً مميزاً يتعلق باستكمال المغرب إجراءات المصادقة لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة على بروتوكولين رئيسيين، الأول هو البروتوكول الثالث الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والثاني يتعلق بالبروتوكول الملحق بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، والبروتوكولان معاً يسمحان للمغاربة بإمكانية تقديم شكايات أمام الهيئات الدولية المعنية في ما يتعلق بالانتهاكات المفترضة لحقوق الإنسان في المجالات المدنية والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وهذا شيء مهم، بحسب بوز، الذي أردف أن المغرب كان يفترض أن يصادق على بروتوكول ثالث ملحق باتفاقية حقوق الطفل، يعطي أيضاً هذه الصلاحية للأفراد، ولكنه لم يفعل لحد الساعة، وربما سيقوم بذلك في المستقبل.

مسارات متصاعدة

حقق المغرب، بحسب تصريحات المحلل السياسي وأستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الأول بوجدة، خالد شيات، لـ"جسور بوست"، تقدماً في مجموعة من الجوانب، موضحاً أنه يمكن أن نتحدث عن مسارات متصاعدة في مجال حقوق الإنسان في المغرب منذ سنوات، خاصة منذ بداية العهد الجديد بقيادة الملك محمد السادس، إذ تغيرت المعطيات والمفاهيم والممارسات المرتبطة بحقوق الإنسان، وهذا أمر لا يمكن، بحسب شيات، إلا لجاحد أن ينكره، مبيناً أن ذلك يخص المفاهيم على مستوى المقاربات السياسية، في ما يتعلق بمجموعة من القضايا بما فيها مسألة المفهوم الجديد للسلطة، والمؤسسات، وتمتينها، وتطويرها، والممارسات الفعلية على مستوى أجهزة الأمن، والتعامل مع المتظاهرين، وغيرها من الأمور الأخرى.

خالد شيات

تبوؤ مواقع حقوقية دولية

تزامنت سنة 2023، وفق شيات، مع الخروج من أزمة كورونا من الناحية العملية، والدخول في مسار جديد، وتزامنت أيضاً مع مجموعة من النجاحات، وتبوؤ المغرب مجموعة من المواقع على المستوى الدولي، لا سيما في مجلس حقوق الإنسان، حيث انتخب لولاية جديدة داخل المجلس، تمتد من سنة 2023 حتى سنة 2025، وانتخابه أيضاً في اللجنة الاستشارية التابعة لمجلس حقوق الإنسان، بين سنتي 2023 و2026، إضافة إلى خضوع المغرب للمراقبة الدورية لحقوق الإنسان من طرف مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وأنه كانت هناك نقاشات في إطار هذه المراقبة الدورية في سنة 2023، ووجهت إلى المغرب مجموعة من الملاحظات على مستوى المنظمة الأممية، تخص المنظومة والترسانة القانونية المرتبطة أساساً بمفهوم المساواة، وتنزيلها على مستوى مجموعة من القوانين الداخلية، مبرزاً أنه من الناحية العامة يحاول المغرب أن يكيف هذه المعطيات مع ضوابطه الداخلية القانونية، والتكييف ما بين توجيه القانون على المستوى الخارجي، والضغوط السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية الموجودة على المستوى الداخلي.

توسيع الاستفادة من الحقوق

يخص المظهر الثالث للتقدم المسجل في مجال تعاطي السلطات العامة في المغرب مع الحقوق والحريات -بحسب تصريحات المحلل السياسي وأستاذ علم السياسة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، أحمد بوز- اتخاذ الحكومة المغربية، استناداً إلى خطب ومبادرات ملكية، عدداً من الإجراءات والتدابير والقوانين التي تهم توسيع دائرة الاستفادة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة مسألة الحق في التعليم، إذ لاحظنا -بحسب بوز- أنه في 2023 دخل حيز التنفيذ إصلاح منظومة التعليم بجميع أبعادها ومستوياتها، وأن الهدف المأمول من هذا “الورش” هو تفعيل الحق الدستوري في التعليم، الذي يعد حقّاً مهمّاً وأساسيّاً من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة النظر في المنظومة الصحية في الاتجاه الذي يسمح بتوسيع دائرة الحماية الاجتماعية بالنسبة للمغاربة، وكذلك تعميم التغطية الصحية، وهذا أيضاً -بحسب بوز- مسألة مهمة جدّاً في ما يتعلق بـ"أجرأة وتفعيل الحق في الصحة"، الذي ينص عليه الدستور، ويعد من الحقوق الأساسية المعروفة جدّاً والمكرسة سواء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو في أوفاق دولية وإقليمية أخرى.

مجهودات كبيرة

من جانبه، علق رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والنائب البرلماني السابق، عادل تشيكيطو، على الوضع الحقوقي في المغرب خلال سنة 2023، بأنه لا يمكن أن نضعه في خانة الوضع المتردي، أو الوضع الذي يدعو إلى القلق، وفي الوقت نفسه لا يمكن اعتباره وضعاً مثاليّاً، وأن هناك جوّاً عاديّاً جدّاً في ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، ينسجم مع ما يتضمنه الدستور في الباب الثاني، خاصة في ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.

وتقوم الجهات المسؤولة، بحسب تصريحات تشيكيطو لـ"جسور بوست"، بمجهودات كبيرة في ما يتعلق بإرساء المفاهيم الحقوقية، كما هي منصوص عليها في المواثيق الدولية، التي صادق عليها المغرب، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأيضاً العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وكذلك كما هي منصوص عليها في الباب الثاني من الدستور.

عادل تشيكيطو

وتتم ترجمة هذه المجهودات، وفق تشيكيطو، على مستوى مجموعة من البرامج، التي نلمسها على سبيل المثال لا الحصر في البرنامج المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، الذي يرمي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في ما يخص ولوج المواطنات والمواطنين إلى الخدمات الصحية، وأيضاً الخدمات المرتبطة بالحق في التقاعد المريح، وهناك مجموعة من المبادرات المرتبطة بالمساعدات، أو بالدعم المباشر، التي تم تخصيصها للفئات المعوزة ويتم صرفها حاليّاً.

وتنفيذاً لتعليمات الملك محمد السادس، شهدت البلاد، بداية من ديسمبر 2022، تعميم التغطية الصحية، وهو مشروع ملكي يهدف إلى تمكين المغاربة بكل فئاتهم من نظام موحد للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ليستفيدوا من خدمة صحية لائقة تغطي العلاج، والأدوية، والاستشفاء، بنفس شروط السداد التي يستفيد منها موظفو القطاعين العام والخاص في جميع المؤسسات الصحية العمومية والخاصة، بينما ستتحمل الدولة مصاريف الاشتراك في التغطية الصحية الإجبارية بالنسبة للمغاربة غير القادرين على دفع واجبات الاشتراك.

ويأتي تعميم التغطية الصحية في إطار تعميم التغطية الاجتماعية، بميزانية قدرها نحو 51 مليار درهم مغربي، مخصصة لتعميم التأمين الإجباري عن المرض، والإعانات الاجتماعية، وتوسيع دائرة المستفيدين من التقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل.

وأعلن رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، خلال اجتماع المجلس الحكومي الذي عقد يوم 25 ديسمبر الجاري، شروع الحكومة ابتداءً من هذا الأسبوع في صرف الدفعات الأولى للدعم الاجتماعي المباشر للأسر، التي استوفت الشروط، وذلك بعد تسجيلها في السجل الاجتماعي الموحد، وحصولها على العتبة المطلوبة.

وبدأ العمل في عام 2022 بما يسمى بـ"السجل الاجتماعي الموحد"، الذي يعد نظاماً معلوماتيّاً وطنيّاً لتسجيل واستهداف الأسر الراغبة في الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي.

وسيستفيد نحو مليون أسرة مغربية استوفت شرط العتبة في السجل الاجتماعي الموحد (ما يعادل 3.5 مليون درهم مغربي)، ابتداءً من 28 ديسمبر الجاري، من الدفعة الأولى، التي لن تقل قيمتها عن 500 درهم مغربي لكل أسرة مهما كانت تركيبتها، وذلك بعدما قدمت هذه الأسر طلباتها قبل 10 ديسمبر الجاري، وعولجت ملفاتها، بينما ستتوصل باقي الأسر التي قامت بوضع ملفاتها بعد ذلك التاريخ، بدفعتي ديسمبر ويناير نهاية الشهر القادم.. ويظل باب تقديم الطلبات مفتوحاً أمام الأسر التي استوفت شرط العتبة، للاستفادة مستقبلاً من هذا الدعم الاجتماعي المباشر، بحسب ما أوضحه رئيس الحكومة، الذي كشف أن البوابة الإلكترونية المخصصة لهذا الدعم استقبلت، منذ إطلاقها في بداية ديسمبر الجاري، أزيد من 1.9 مليون طلب استفادة، وأن العدد في تزايد يوميّاً.

تسامح السلطات مع التظاهرات

وشهد عام 2023 -وفق المحلل السياسي وأستاذ علم السياسة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، أحمد بوز- تسامح السلطات المغربية مع ممارسة بعض الحقوق السياسية، خاصة الحق في التظاهر والاحتجاج، سيما في ارتباط بحدثين مهمين، هما تفاعل المغاربة مع أحداث غزة والقضية الفلسطينية، إذ نظمت وقفات واحتجاجات ومسيرات كانت السلطات متسامحة معها، ثم الاحتجاجات، التي نظمتها بعض الفئات الاجتماعية المطالبة بحقوق خاصة بها، بحسب المتحدث نفسه، الذي أبرز أنه يخص بالذكر الاحتجاجات والمسيرات والوقفات، التي قام بها رجال التعليم، وأيضاً الإضرابات التي نظمت في هذا المجال، وأنه رغم أن الدولة أو الحكومة لجأت في بعض الأحيان إلى بعض الاقتطاعات من الأجور، لكن عموماً يمكن القول إنه كان هناك نوع من التسامح على هذا المستوى.

تعديل مدونة الأسرة

في مجال الأحوال الشخصية، عرف المغرب في عام 2023 فتح ورش تعديل مدونة الأسرة، الذي قال عنه أحمد بوز في حديثه مع "جسور بوست"، إنه من المنجزات، ويصنف ضمن الجانب الذي يحسب على التطور، وإنه ورش إصلاحي كان قد سبقه خطاب ملكي، تشكلت على إثره لجنة رسمية، وأن هناك حاليّاً ما يمكن اعتباره حواراً وطنيّاً في هذا الموضوع، يمكن أن يكون مؤشراً مهمّاً جدّاً على تطور جديد سيحدث في ما يتعلق بالحقوق الاجتماعية، مردفاً أن الأمر يتعلق بورش في بداياته، ومخرجاته لم تتضح بعد، وربما ستظهر في 2024، ولكن فتح هذا الورش في حد ذاته مسألة مهمة، وسيقدم بلا شك قضايا المرأة، والمساواة بين المرأة والرجل، وقد لا يدفع بهذه المساواة إلى أبعد مداها، كما هي مكرسة في الدستور وفي الأوفاق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ولكن الشيء المؤكد هو أن كل التدابير، التي ستتخذ، ستشكل دفعة نوعية لهذا المسار.

وفي هذا الجانب، قال المحلل السياسي وأستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الأول بوجدة، خالد شيات، إن هذه السنة عرفت فتح أوراش كثيرة على المستوى القانوني، من بينها ورش مراجعة مدونة الأسرة، وأيضاً مشاريع قوانين، من ضمنها مشروع القانون الجنائي، ومشروع قانون المسطرة المدنية، وغيرها من القوانين، التي تصب في نهاية المطاف في منظومة حقوق الإنسان.

وفي الـ26 من سبتمبر 2023، وجه الملك محمد السادس رسالة إلى رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، تتعلق بإعادة النظر في مدونة الأسرة المغربية الحالية، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2004، ورفع مقترحات التعديلات إلى الملك في أجل أقصاه 6 أشهر، قبل إعداد الحكومة مشروع قانون في هذا الشأن، وعرضه على مصادقة البرلمان.

وجاءت الرسالة الملكية بعدما دعا الملك، في خطابه الموجه للشعب بمناسبة عيد العرش في يوليو 2022، إلى تعديل مدونة الأسرة.

وفي جانب آخر، قررت الحكومة المغربية، في أواخر عام 2021، سحب مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي من مجلس النواب، وذلك بعد إحالته على البرلمان في عام 2016، من قِبل حكومة عبد الإله ابن كيران (يناير 2012-أبريل 2017) بقيادة حزب العدالة والتنمية (إسلامي)، إذ أثار جدلاً داخل المؤسسة التشريعية على مستوى مجموعة من النقاط، من بينها الفصل 256-8 المتعلق بـ"الإثراء غير المشروع"، ما حال دون مناقشته خلال ولاية الحكومة المذكورة، وأيضاً خلال ولاية حكومة سعد الدين العثماني (أبريل 2017-أكتوبر 2021)، التي كان يقودها أيضاً حزب العدالة والتنمية.

وقال الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بيتاس، إن "قرار سحب المشروع جاء من أجل إتاحة الفرصة للبرلمان، لمناقشة المشروع بشكل شمولي وغير مجزأ، ولصعوبة مناقشة مشروع القانون بشكل منفصل".

دعم ضحايا الزلزال

كان زلزال الحوز، الذي ضرب مناطق متعددة في المغرب يوم 8 سبتمبر 2023، وخلف آلاف الضحايا بين موتى ومصابين -بحسب رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والنائب البرلماني السابق، عادل تشيكيطو- تجربة وامتحاناً حقيقيّاً لمدى التزام الدولة واهتمامها بالشق الاجتماعي للمواطنات والمواطنين، الذين كانوا ضحية هذا الزلزال، حيث تعبأت كل القطاعات الحكومية، من أجل إعادة الحياة لتلك المنطقة، والاهتمام بالوضع الاجتماعي، ولا أدل على ذلك من الدعم المباشر الذي صُرف للضحايا، وقسم إلى أجزاء، من أجل إعادة إيوائهم وضمان حقهم في السكن، ثم توفير المناخ المناسب للعودة إلى العمل، وفق تشيكيطو، الذي قال إن هذا الأمر مرتبط بالحق في الشغل، وتعزيز الترسانة القانونية والإجرائية المرتبطة بإنعاش السوق في تلك المنطقة.

وبناءً على تعليمات ملكية، خصصت لأصحاب المساكن، التي انهارت بشكل كلي مساعدة مالية مباشرة قيمتها 140 ألف درهم مغربي لكل مسكن، في حين خصص لأصحاب المساكن التي انهارت جزئيّاً 80 ألف درهم مغربي لكل مسكن، إلى جانب مساعدة مالية قدرها 2500 درهم مغربي تصرف للأسر لمدة سنة كاملة، شرعت الحكومة في صرفها في أكتوبر 2023. 

خروقات معزولة

وفي المقابل، قال تشيكيطو، إنه رغم المجهودات التي يتم بذلها في مجال الحقوق والحريات من قِبل الجهات المسؤولة بالمغرب فإنهم يسجلون (أي المنظمات الحقوقية) في بعض الأحيان تراجعات في ما يتعلق بعدد من الحقوق، وإن هناك تجاوزات في مجموعة من المجالات، ذكر منها المجال الصحي، وتأسيس الجمعيات، أو تجديد هياكلها، وتنظيم الوقفات والمسيرات، وتدبير التخلص من مدن الصفيح، والتعبير عن الرأي، لكنه أكد في المقابل أن هذه الإشكاليات لا تعني أن هناك سياسة ممنهجة للدولة لاستهداف حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، وأنه حسب الممارسة الميدانية يبدو أن مجموعة من الخروقات، التي تقع في مجال حقوق الإنسان، لا يكون مصدرها الدولة بعينها، أو سياسة من سياساتها، وإنما هي تصرفات معزولة، أو تصرفات لمجموعة من المسؤولين، الذين ما زالوا يتشبثون بالعقلية الكلاسيكية السلطوية، التي لا تفهم المضمون الحقيقي لما جاء في الدستور المغربي، خاصة في الباب الثاني الذي يتضمن مجموعة من الحقوق، ويؤكد ضرورة احترامها، مبيناً أن العقل الحقوقي للدولة يتفاعل ويتعاطى مع مقترحاتهم ونداءاتهم (أي المنظمات الحقوقية) بشكل إيجابي.

ومن جانبه، أفاد المحلل السياسي وأستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الأول بوجدة، خالد شيات، بأن تقارير صادرة عن منظمات في مجال حقوق الإنسان على المستوى الوطني أو الدولي، أثارت مجموعة من الممارسات الماسة بحقوق الإنسان في المغرب، من بينها ما يخص حرية التعبير، مبرزاً أن تلك الممارسات تبقى في مستويات دنيا في البلاد، وليست مؤثرة بشكل كبير جدّاً على الوضع العام، الذي يتسم باستمرار اعتماد المغرب على نهج الحفاظ على حقوق الإنسان، من خلال حق التظاهر، وحق التعبير، والحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين، ولكن لكل حالة، بحسب شيات، استثناءات.

وأوضح أستاذ علم السياسة في كلية الحقوق السويسي بالرباط، أحمد بوز، أن حقوق الإنسان في المغرب لا تزال تعرف بعض الاختلالات بشكل عام، وأنه يمكن أن نسجل هنا وهناك بعض القوانين، التي تنظم حقوق وحريات أساسية لم يتم تكييفها بعد على ضوء المضامين الجديدة لدستور 2011، رغم مرور كل هذه المدة على دخول الدستور حيز التنفيذ، مبيناً أنه يحيل في هذا الجانب بصفة أساسية على القانون المتعلق بالجمعيات، والقانون المتعلق بتنظيم التجمعات، وغيرهما، التي قال إنها نصوص قانونية لا تساير التطور الذي عرفه تنظيم هذه الحقوق والحريات في المتن الدستوري لسنة 2011.

وتحدث بوز أيضاً عمّا أسماه بعض المشكلات التي تحدث هنا وهناك في واقع الممارسة، سواء في ما يتعلق بالترخيص لجمعيات بالتأسيس، أو منع تظاهرات واحتجاجات، أو ما يخص حرية التعبير عن الرأي.

وقال بوز إن المغرب لم يصادق بعد على بعض الاتفاقيات الدولية المهمة، من بينها مثلاً الاتفاقية 87 المتعلقة بالحرية النقابية، ومعاهدة روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية.

 


 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية